فخر الدين الرازي

109

الأربعين في أصول الدين

اللاوقوع . فإن كان معلوم الوقوع كان واجب الوقوع ، فالتكليف به عبث . وان كان معلوم اللاوقوع كان ممتنع الوقوع ، فكان التكليف به ظلما . فثبت : أن القول بالتكليف باطل . وربما ذكروا هذا الكلام في معرض آخر ، وهو أن المقصود من التكليف : جلب الثواب . وان كان ذلك الثواب معلوم الوقوع ، فحينئذ لا حاجة البتة إلى فعل الطاعة ، وان كان معلوم اللاوقوع كان ممتنع الوقوع . وحينئذ لا فائدة في فعل الطاعة . الثالث : ان التكليف اما أن يتوجه حال استواء الداعي إلى الفعل والترك ، أو حال رجحان أحد الداعيين على الآخر . أما حال الاستواء فمحال . لأن الفعل ترجيح . وحصول الرجحان حال حصول الاستواء جمع بين النقيضين ، وأما حال الرجحان فمحال . لأن الراجح واجب ، والمرجوح ممتنع - على ما بينا تقرير هذه المقدمة في مواضع - وان وقع التكليف بالراجح ، كان ذلك تكليفا بايقاع شيء واجب لوقوع ، وان كان تكليفا بالمرجوح ، كان ذلك تكليفا بايقاع ممتنع الوقوع وتمام تقرير هذا الوجه قد تقدم في مسألة خلق الأفعال . الرابع : ان التكليف لا فائدة فيه البتة ، فكان عبثا غير لائق بحكمة الحكيم . وانما قلنا : انه لا فائدة فيه . لأن تلك الفائدة ، ان عادت إلى المعبود ، لزم أن يكون في محل النفع والضرر والزيادة والنقصان . وهو محال . وان عادت إلى العابد فهو أيضا باطل . لأن جميع الفوائد محصورة في أمرين : اما اللذة ، واما السرور ، أو ما يكون مفضيا إليهما واما دفع الألم أو دفع الغم ، أو ما يكون مفضيا إليهما . والمعبود تعالى قادر على تحصيل كل ذلك للعبد بدون واسطة التكليف . فكان توسط التكليف عبثا . وإذا ثبت هذا فظاهر : أن العبث لا يليق بأحكم الحاكمين .